‏إظهار الرسائل ذات التسميات ريفيو. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ريفيو. إظهار كافة الرسائل

السبت، 17 يوليو 2010

( هناك أفلام تتضمن رسائل سياسية لا تخطئها العين مثل فيلم (10000سنة قبل الميلاد الذى يقدم صياغة أسطورية لتاريخ الشعب اليهودى . هذا المقال المنشور فى جريدة روز اليوسف اليومية بتاريخ26/3/2008 يعبر عن معنى الرسالة وأهدافها)

النبوءة أصبحت حقيقة .. والحقيقة تحولت الى أسطورة !

محمود عبد الشكور

طوال مدة عرض فيلم (10000سنة قبل الميلاد ) للمخرج (رولاند إيمريخ) ، لا تستطيع أن تبعد عن ذهنك قراءة الإسقاطات الحوارية أو البصرية التى تعطى للحكاية بعدا آخر، وتكشف عن معانى أبعد من الإبهار فى الصورة أو فى استخدام المؤثرات الصوتية أو فى خدع الكمبيوتر . هناك إسقاط واضح على بداية تاريخ اليهود ، وقصة الصراع بين "موسى " و" فرعون" .. بين شعب من العبيد وحكام من الجبارين ، ولكن القصة تخضع هنا لتحويرات كثيرة لأن البناء بأكمله يحاول أن يمزج بين الواقع والأسطورة ، ولذلك كانت البداية من النبوءة التى ستتحول الى حقيقة ، ثم تصبح الحقيقة أسطورة لتعيش أطول ، ولُتلهم شعوبا أخرى !

" رولا ند إيميريخ"مخرج أفلام كثيرة معروفة ربما أشهرها فيلم ( يوم الإستقلال ) الذى لايخلو من إسقاطات ومعانى تتجاوز كونه أحد أفلام الخيال العلمى وسلسلة حكايات الغزو القادم من الفضاء . اشترك"إيميريح" مع " هارولد كلوزر " فى كتابة (10000سنق قبل الميلاد)، ومنحا لأنفسهما حرية واسعة فى الخيال وصولا إلى هدف وحيد هو : كيف تحول الشعب الذى يحكى عنه الفيلم (أطلقوا عليه شعب الياجال) ، وكيف تحول زعيمه الشاب ( اسمه فى الفيلم داليه) إلى أسطورة؟ .. ويقوم الراوى ( بصوت عمر الشريف المؤثر) ببداية السرد على طريقة شعراء الملاحم ، ثم يتدخل أحيانا للتعليق ، ويختم الحكاية مؤكدا مولد الأسطورة.

الحدوتة تبدو بسيطة فى ظاهرها حيث نتعرف على هذا الشعب ( الياجال) الذى يعيش وسط الجليد معتمدا على الصيد بقتل حيوان ضخم يطلق عليه الفيلم اسم ( المناك) ، وبيدو من حيث الشكل أقرب الى حيوان الماموث المنقرض الذى يعتبر الجد العملاق للأفيال . ولكن هذه الحيوانات تختفى فجأة ، وتحاول الأم العجوز حكيمة الشعب وعرافته أن تفتش عن السبب . فجأة تظهر فتاة صغيرة زرقاء العينين تتوقع العجوز بالنظر الى وجهها أن تكون زوجة لمن سيقود (الياجال) الى البقاء بعد أن يمروا بأزمة مدمرة . الفتاة اسمها " إيفوليت" ، ويقول الراوى إنها تمثل الوعد بالحياة ، ومنذ البداية يحلم الطفل " داليه" بأن يفوز بالفتاة الصغيرة التى تخبرهم أنها فقدت أهلها بعد مذبحة قامت بها شياطين رباعية السيقان ! .. وهكذا يبدأ الفيلم بشعب فى خطر ، وبنبوءة تتحدث عن ماساة قادمة لابد لها من مخلّص بمساندة فتاة تحمل وعدا بالحياة .

يبدو " داليه" إنسانا عاديا بعيدا عن الكمال خاصة أن والده قد ترك الشعب عندما عرف النبوءة المنذرة ، كما أن " داليه" يدعى أنه نجح فى قتل أحد حيوانات " المناك" العملاقة ليفوز بالرمح الأبيض الذى يتيح له الزواج من " إيفوليت" ، والحقيقة أنه كان يفر هاربا من الحيوان .. ولكن "داليه" لديه شجاعة الإعتراف بذلك ، كما أنه لن يتردد فى الخروج مع بعض زملائه لمطاردة جنود العدو الشرس الذى اختطف بعض ابناء ( الياجال) ومنهم " إيفوليت" ، ويتحدث هؤلاء الجنود لغة مختلفة ، ويبدو إصرارهم على اختطاف أبناء ( الياجال) بدلا من قتلهم أمرا مثرا للدهشة . بعد مغامرات أسطورية يواجه فيها " داليه" وزملاؤه نسورا وحشية ، ويقوم هو بإنقاذ نمر من الموت ، يلتقى بشعب من الزنوج يدعى شعب ( الناكو) . من الواضح أنهم أيضا يعانون من العبودية ، ولأنهم يعتقدون أن مخلصهم لديه القدرة على الحديث مع النمر العملاق الذى أنقذه "داليه" ، فإنهم يتوقفون الى حيث جبل الآلهة ، ويعرف"داليه" أن والده الغائب قد اختفى هناك ، ثم يشاهد عن بعد قوارب تحمل أسرى ( الياجال) واسرى ( الناكو) عبر نهر يخترق صحراء شاسعة !

فى الجزء الأخير تبدو الرومز أكثر وضوحا حيث يتضح أخيرا أن الأسرى يسخرو ن تحت ضرب السياط لبناء ما يشبه الهرم العملاق ، وأن التسخير يشمل أيضا حيوانات " المناك " العملاقة ، ومن خلال مجموعة من الكهنة تنقل تعليمات الحاكم الذى يطلق عليه اسم " الجبار" ، والذى يعيش داخل الهرم مستترا ومعزولا ومدعيا أنه إله ، ومن خلال أحد الأسرى يعرف " داليه" أن هذا الملك الإله لايخيفه سوى شخص نقشت على يده علامة محددة كما أخبره العرافون ، وفيما بعد سنعرف أن الشخص المقصود ليست إلا "إيفوليت" ، ولكن من سيقود المعركة هو "داليه" الذى سيطلب من الجبار أن يأخذ معه شعبه ، ورغم أن الجبار يوافق إلا أنه يشترط الإحتفاظ ببعضهم لكى يقتلهم . هنا يسدد إليه "داليه" رمحه ليقتله ، وليثبت للجميع أن الجبار ليس إلها . يقتحم العبيد المكان ويدمرون قمة الهرم باستخدام الحيوان العملاق ، ورغم أن " إيفوليت" تموت بطعنة غادرة ، إلا أن الأم العجوز على بعد آلاف الأميال تعيد بعثها من جديد ، وتعود " إيفوليت" و "داليه" الى الوطن حاملين بذورا أخذوها من شعب ( الناكو) ، ووسط زروع خضراء نامية يحتضن " داليه" حبيبته لتولد اسطورتهما وأسطورة شعبهما إلى الأبد !

حرصت بقدر الإمكان أن أحكى لكم التفاصيل الأساسية للحكاية التى تقدم إسقاطات واضحة عن نبوءة موسى ، وصراعه مع فرعون حتى انتصاره ، والأمثولة هنا ليست متطابقة مع القصة التوراتية أو القرآنية ولكنها تأخذ منها المعنى العام وتدمجه فى عالم اسطورى قادم من عصور سحيقة ، وتتناثر مشاهد هنا وهناك توصل الفكرة ، كما تتم عملية رسم الشخصيات بطريقة موحية تحاول أن تلفت أنظار المشاهد إلى أن هناك أبعادا أخرى وراء الحكاية . وستكتشف فى النهاية أن شعب الياجال قد تحول من صيادين الى محاربين ، وأن "داليه" قد نجح أخيرا فى أن يجعل لشعبه مستقرا تحت الشمس لا يخضع للتقلبات الموسمية ، وأنه تلقى وعدا قدريا بالحياة ممثلا فى فتاة جميلة لا يمكن أبدا أن تموت . نجح "داليه" أيضا فى إثبات أكذوبة الملك الإله ، كما أطلق سراح شعبه من الأسر ، والأمران هما بالضبط ما حققه موسى فى صراعه مع فرعون ، وإن اختلفت الطرق والأساليب .

هناك إشارات تظهر أن "داليه" ليس شخصا عاديا حيث يساعد النمر متوقعا أن يرد له النمر الجميل ، وهذا ما يحدث حرفيا ، وتكون هذه العلامة طريقه للحصول على اعتراف شعب ( الناكو) ، وهناك نبوءة فى أول الفيلم تجعله مخلّص شعبه ، وسيكون عليه أن يحول النبوءة الى حقيقة .. أما مشاهد الجبار فتكاد تصرّح أننا أمام الفرعون الملك الإله بكل تفاصيله وغطرسته وإصراره على استعباد الآخرين ، ولن تظهر ملامحه إلا فى لحظات مصرعه ، وهو يبلغ تعليماته عن طريق كهنته الذين يعقدون أيديهم على صدورهم على الطريقة الفرعونية الشهيرة رغم اختلاف الزى ، ويختار المخرج أن يقدم مشاهد الهرم من أعلى مظهرا آلاف العبيد والحيوانات العملاقة وهى تتحرك تحت ضربات السياط لاستمال البناء ، كما يقدم من أعلى عملية هدم قمة الهرم الذهبية تعبيرا عن نجاح العبيد فى تحقيق النصر بعد أن أطلق "داليه" شعارا مؤثرا هو "العبيد قادمون" .

ولكن فيلم (10000سنة قبل الميلاد ) لا يتوقف عند عودة الأسرى ، وقتل الملك الإله ، وتحويل الصيادين الى محاربين ، وحصول شعب الياجال على الحياة المستقرة ، ولكنه يغلف الحكاية بأملها بغلاف اسطورى بحيث يبدو الإنتصار خارقا للمألوف ، ومتجاوزا للقدرات البشرية ، وكأنه تنفيذ لإرادة عليا قدرت وقررت وحسمت النهاية قبل أن تبدأ مثلما يحدث فى الأساطير الإغريقية ، وهكذا تتطور النبوءة التى قالتها العجوز فى بداية الفيلم الى حقيقة بسبب شجاعة "داليه" وعيون " إيفوليت " الحارسة ، ثم تتحول الحقيقة الى أسطورة مستمرة وخالدة ، وإذا كان الراوى يقول فى أول الفيلم إن الزمن هو الذى سيفرز الأساطير من الحقائق ، فإن المخرج يرى -على ما يبدو- أن الياجال قد جمعوا بين الأمرين فصاروا حقيقة وأسطورة معا .. والمعنى لا يخفى عن الفطن !

تضافر السيناريو والإبهار البصرى والموسيقى التى تبرز قرع الطبول وأصوات آلة الكورنو المنذرة والموسيقى النحاسية الصاخبة والخدع والمؤثرات البصرية ومونتاج " ألكسندر بيرز" فى إيصال الحكاية وما وراءها ، وربما كان أضعف العناصر أداء الممثلين خاصة البطلين ( ستيفن ستريت ) و (كاميلا بيل ) ، فهذه النوعية من الأفلام لا تحتاج مشخصاتية كبار ، وإنما إلى سيناريو وإمكانيات ضخمة ، وإبهار بالصوت والصورة !

الجمعة، 9 يوليو 2010

(تحويل الروايات الى أفلام ليس عملا سهلا .. وهذا هو الدليل من فيلم " الحب فى زمن الكوليرا "، والمقال منشور فى روز اليوسف اليومية فى 2/7/2008)



الحب يقهر الموت .. والرواية تهزم الفيلم !



محمود عبد الشكور



لو كنت ممن قرأوا الترجمة العربية لرائعة الروائى الكولومبى الفذ ( جابرييل جارسيا ماركيز ) " الحب فى زمن الكوليرا " ( ترجمها صالح علمانى فى 445صفحة ) .. فستشعر بالإحباط الشديد بعد مشاهدة الفيلم المأخوذ عن الرواية ، والذى يحمل اسمها للمخرج "مارك نوويل "، فرغم أن الفيلم يلخص معظم الأحداث الرئيسية فى الرواية إلا أنه يخلو تماما من سحرها ومن تأثيرها ومن تأملات مؤلفها المبدع عن الحب والحياة والموت والشيخوخة والزمن . إنه بالضبط الفارق بين أن تلخص كتابا وبين أن تصل الى مغزاه ومعناه . الفارق بين أن تكون مهموما بأن يصبح الإبداع الروائى منطلقا لإبداع سينمائى مواز، وبين أن تكون مهموما فقط بالإختصار والحذف ، أما الذين شاهدوا الفيلم ولم يقرأوا الرواية فلا شك أنهم أخذوا فكرة عن ( حدوتة ) الحب فى زمن الكوليرا ، وعرفوا بعض شخصياتها التى لا تنسى ، ولكنهم بالتأكيد لم يعيشوا العالم الذى أبدعه " ماركيز " ، وافتقدوا كثيرا من المشاعر والأحاسيس والمواقف التى سحقتها النظرة السطحية والوقوع فى أسر الحدوتة دون التعمق فى أسرار ما تعبر عنه . إنه فيلم يذكرك بما تفعله "هوليوود" فى الأعمال المأخوذة عن روائع الرواية العالمية، وليس بما تقدمه السينما الأوربية من معادل سينمائى وفهم أعمق لنفس الروائع .



يجب فى البداية أن نعذر كاتب السيناريو " رونالد هاروود " لأن تحويل " الحب فى زمن الكوليرا " الى السينما ليس سهلا ، ولكنه أيضا ليس شيئا مستحيلا ..صحيح أن الرواية مثل أعمال ماركيز ( ولد عام 1928فى أركاتاكا فى كولومبيا وحصل على نوبل عام1982) تزدحم بالشخصيات ، كما أن مؤلفها من أعظم الحكائين على مر العصور ، ولذلك يسترسل فى السرد بسلاسة وننتقل معه من صفحةالى أخرى لنكتشف فى النهاية أننا عشنا عشرات السنوات ، وصحيح أن " ماركيز " - وهو كاتب سيناريو أيضا - كان يعارض تحويل رواياته الى أفلام لأن ذلك يحصر الخيال المحلق الذى تقدمه ، ولكن الصحيح أيضا أن أعمال "ماركيز " - مثل كل روائع الرواية العالمية -تعطى فنان السينما مادة درامية وإنسانية لا حدود لها ، والمشكلة تبدأ عندما يعتقد هذا الفنان أن دوره يقتصر على التلخيص والنقل وليس التفاعل الخلاق مع الرواية والتعبير عنها والتأمل فى أفكارها ومشاعرها ، وإذا كانت المسألة فى أمانة نقل الأحداث والحكايات فإن الأكثر أهمية فى رأييى أن تنقل روح هذا العالم اللاتينى الصاخب والملون الذى يجمع ببساطة بين ، وبدون أدنى شعور بتأنيب الضمير بين إشباع مطالب الجسد والفناء فى أسرار الروح ، والذى يجمع أيضا بين التدين الشديد والإحتفاظ بتقاليد وثنية وبدائية .



روعة" الحب فى زمن الكوليرا "تحديدا فى أنها لا تشبه أبدا الأعمال الرومانسية التى تهرب من الواقع ، ولكنها تحكى عن أشخاص من لحم ودم وبكل نقاط ضعفهم وأمراضهم . الحدوتة فى الرواية والفيلم لا تتغير معالمها ، بل إن الفيلم يبدأ - مع الإختصار والتلخيص فى الحوار - بمشهد وفاة (د خوفينال آربينو ) العبثى عندما يصعد الى الشجرة لإحضار الببغاء الخاص به فيسقط على ظهره ليموت ، ثم ننتقل - مثل الرواية - للإستعدادات الخاصة بجنازة الطبيب الشهير بحضور أرملته العجوز ( فرمنيا داثا ) ، وعندما يسمع " فلورنتينو آرثيا ) بوفاة ( د خوفينال ) يذهب الى أرملته لكى يكشف لها عن حبه ، وعن انتظاره للحظة وفاة زوجها من51عاما ، ولكنها تطرده بقسوة ، ثم تسمح لنفسها بالعودة الى خطابات ( فلورنتينو ) للتتذكر حكاية حبهما فى المراهقة . لا بأس من هذه البداية كحيلة لسرد وقائع الحكاية الغريبة المعقدة بين الأبطال الثلاثة : الزوج (د خوفينال ) والزوجة ( فرمنيا ) والعاشق الأبدى ( فلورنتينو ) ، ولكن المشكلة أن كاتب السيناريو " هاروود " سيقوم تقريبا بتلخيص أحداث الرواية دون أن ينجح فى " تضفير " الوقائع ، ودون أن ينجح فى خلق بناء مواز لعالم " فرمنيا " وعالم "فلورنتينو " ، ولذلك سيتحول الفيلم فى فترات طويلة منه الى ما يشبه الفلاشات السريعة وقصاقيص المشاعر والعواطف ، وسيهبط الإيقاع فى مناطق كثيرة ، وسيفشل المخرج فى اكتشاف العلاقة بين الأحداث المتوازية ، لذلك سيكتفى بالعرض المحايد باستثناءات قليلة مثل توظيفه الجيد لأغنيات بصوت " شاكيرا " الباكى ، وبكلمات عذبة وألحان مثيرة للشجن استخدمت فيها آلة الجيتار ، ومن أمثلة تلك الأغنيات ( آه ياحب .. أريد أن أذوب فيك ) ، وأغنية ( إننى أفكر فيك كل يوم ) ، وأسوأ ما فى هذا السرد التلخيصى للأحداث أنه جعل الإحساس بالزمن شديد الإفتعال، ولولا الشعر الأبيض وانحناءة الظهر لما شعرنا أننا نستعرض حكاية حب طويلة عمورها نصف قرن بين سنوات القرن التاسع عشر ، وبدايات القرن العشرين .


كان " فلونتينو " عامل تلغراف فقير يكتب الشعر . عندما كان فى سن الثامنة عشرة وقع فى غرام الجميلة " فيرمنيا " ابنة أحد تجار البغال السشرسين . كتب لها رسائل حب تبدأ بعبارة ( آلهتى المتوجة ) ، وعزف له الموسيقى على آلة الكمان أسفل منزلها ، وبدأت هى فى الإستجابة له بتشجيع من عمتها التى لم تتزوج . كان حبا أقرب الى المرض استمر أربع سنوات ، ولكن الأب الشرس رفض أن يكون عامل التلغراف زوجا لابنته التى يطمح أن ترتبط بمن هو أكثر ثراء ومكانة . اختار الأب أن يصطحب ابنته الى أقاربهم فى مدينة بعيدة لمدة عام ، ولكن " فلورنتينو " كان يتبادل مع " فيرمنيا " برقيات الحب ، وبعد عودتها كانت نظرتها اليه قد تغيرت . قالت له فى قسوة :" لم يكن حبا.. كان وهما ". وكانت صدمة عمره .


أقسم ( فلورنتينو ) على أن يُخلص ل ( فيرمنيا) الى الأبد ، وصمم على أن تكون قدره ، وأراد أن يصبح ثريا ليكون جديرا بها ، وفى الرواية سيحاول أن يستأجر أحد الغواصين النصابين ليبحث له عن ذهب السفن الغارقة ، وستحاول أمه أن تشغله بأن يعمل فى البواخر التى يمتلكها عمه " ليو" ، وفى أولى رحلاته الطويلة ستتغير حياته ، وسيعرف لأول مرة الحب الجسدى ، وبعد أن كان يكتب رسائله الغرامية فى أحد بيوت الدعارة دون أن يلمس واحدة من العاهرات ، أصبح يجد عزاءه فى الحب الجسدى ، وقرر أن يكتب أسماء عشيقاته حتى وصل عددهن الى 622إمرأة وفتاة ، ولكن كل ذلك لم يستطع أن ينسيه حبه الأول " فيرمنيا" . كان يتابع أخبارها ، وعرف أنها تزوجت من "د خوفينال " الطبيب العائد بعد دراسته فى باريس ، وعرف أنها أيضا أنجبت من زوجها الذى أصبح من مشاهير المدينة لجهوده فى الرعاية الصحية ، وفى تنظيف المدينة الملوثة التى تهدد حياة السكان بالإصابة بالكوليرا فى الوقت الذى يطاردهم فيه شبح الحرب الأهلية على فترات متقاربة . فيرمنيا - من ناحيتها - ستظل خمسين عاما غير متأكدة هل أحبت ( فلورنتينو ) أنه مجرد وهم كما قال لها والدها .. زوجها الطبيب منظم . حياته العلمية تنتقل معه الى المنزل .. فى مرحلة تالية سيخونها مع إحدى مريضاته ثم يعتذرويبتعد عن العشيقة . سيتسرب الملل الى حياتها .. ستكلمه عن الحب فيحدثها عن الإستقرار . فى مرحلة الشيخوخة سيتشاجران لأتفه الأسباب ، ولكنها ستحزن عليه بشدة عند وفاته ، ثم سيظهر ( فلورنتينو ) العجوز فى حياتها ولكن بعد أن أصبح رئيسا لشركة ملاحة بحرية عملاق ورثها عن عمه .


فى الجزء الأخير من الفيلم والرواية أيضا ، سيصطحب (فلورنتينو) حبيية العمى فى رحلة بحرية ، وستتجاوب معه لأول مرة ليمارس معها الحب الجسدى رغم أنهما تجاوزا سن السبعين ، وسيقترح هو على قائد الباخرة ألا يعودا الى المدينة ، ويكون الحل بأن يرفع البحار العلم الأصفر والعلم الأسود دلالة على وجود مريض بالكوليرا معهم .. ترفض السلطات دخولهم فتعود السفينة بهم . تقول له ( فيرمنيا): الى متى سنظل نذهب ونعود بالباخرة ؟ ، فيرد عليها ( فلورنتينو): "مدى الحياة ". وهكذا يفتح موت الزوج الباب أمام حياة جديدة لكل من ( فيرمنيا) و(فلورنتينو)، وهكذا يحمى علم الموت رحلة حب تأخرت أكثر من نصف قرن ، وهكذا أيضا يعبر الحب القرن التاسع عشر الى القرن العشرين عصر التقدم العلمى وثورة الحياة المادية . يقول (ماركيز) فى رائعته : لقد عاشا معا ما يكفى ليعرفا أن الحب هو أن نحب فى أى وقت وفى أى مكان ، وأن الحب يكون أكثر زخما كلما كان أقرب الى الموت ". ولكن الحب لدى (ماركيز) لا يحلق فى الفراغ ..إنه حب يليق بالإنسان كما نعرفه ..حب الروح وحب الجسد أيضا .


لقد تاهت المشاعر والأحاسيس وسط تلك القفزات والأحداث المختزلة والحوارات المبتورة والشخصيات غير المكتملة ، واحتلت قصص (فلورنتينو) مع عشيقاته مكانا بارزا فبدا كما لو كان ملتمسا للعربدة وليس باحثا عن العزاء ، ولولا الأداء المتميز للنجم الأسبانى (خافيير بارديم) الذى لعب دور (فلورنتينو) فى كل مراحله باستثناء سنوات شبابه الأولى ، لما كان هناك شئ يمكن الحديث عنه رغم الإمكانيات الضخمة المتوافرة .. ولكن من الذى قال إن الإمكانيات تستطيع وحدها أن تصنع عملا عظيما ؟!

السبت، 3 يوليو 2010

(نشر هذا المقال فى 10 يناير2010 ، ويتضمن قراءة لفيلم التحريك ثلاثى الأبعاد (A christmas carol) أو كما عرض تجاريا فى مصر تحت اسم ( أغانى الكريسماس ).

(أغانى الكريسماس ) .. درس خصوصى للرأسمالية المتوحشة !

محمود عبد الشكور

ارتبطت الصور المجسمة عندى بكروت البوستال الثقيلة التى كنا نشتريها فى الطفولة ، والتى كانت تحتوى على مناظر للكعبة متعددة الأبعاد والزوايا ،اورغمذلك لم أتحمس فى بداية التسعينات لمشاهدة ما سمى وقتها بأفلام الهجوم على المتفرجين ، والتى كانت تستخدم لمشاهدتها نظارات خاصة ، فقد كنت وقتها محبطا من السينما عموما بسبب انهيار الفيلم المصرى ثنائى الأبعاد ، وحتى عندما تم الإعلان عن الفيلم ثلاثى الأبعاد ( أغانى الكريسماس ) ، وجدتنى أؤجل المشاهدة أكثر من مرة ، وحتى بعد أن قطعت التذكرة أخيرا متشجعا باسم " تشارلز ديكنز " صاحب القصة الأصلية ، وباسم " روبرت زيميكس " كاتبا للسيناريو ومخرجا ، حتى عندما فعلت ذلك لم أستطع أن أمنع نفسى من الدهشة لمنظر الجمهور كبارا وصغارا وهم يتجهون الى صالة العرض حاملين نظاراتهم السوداء ، وكأننا نتجه الى سرادق عزاء ، ولكن التجربة عموما كانت جيدة لجمال الفيلم القادم من مصنع ديزنى الممتع ، وأضافت التجربة ثلاثية الأبعاد مزيدا من المعايشة والإندماج مما يجعلها مطلوبة فى نوعيات محددة من الأفلام .

نظام العرض البصرى ثلاثى الأبعاد الذى يتطلب طريقة خاصة فى التصوير وفى شاشة العرض وفى النظارات التى نرى الصورة من خلالها لا يصلح مع كل الأفلام ، ولكنه يضيف فعلا للأفلام التى تعتمد على الخيال المحلق ، وعلى السياحة الممتعة فى الزمان والمكان مثل ( أغانى الكريسماس ) . القصة التى كتبها الروائى الإنجليزى "تشارلز ديكنز " تبدو لأول وهلة كما لو كانت مجرد حدوتة تربوية للأطفال تقدم لهم درسا أخلاقيا لكى يكون الإنسان لأخيه الإنسان ، وبألا تصرفه المادة عن الأحاسيس والمشاعر ، بل إن الفيلم والقصة هما التعبير الدرامى عن ذلك البيت الشهير الذى حفظناه فى المدرسة ضمن قصيدة التينة الحمقاء ، والذى يقول فيه الشاعر اللبنانى المهاجر " إيليا أبو ماضى ": " من ليس يسخو بما تسخو الحياة به فإنه أحمق بالحرص ينتحر " ، ولكن لو تأملت فى مغزى الحكاية لوجتها موجهة للكبار أيضا ، والدرس الأخلاقى لبطل الحكاية ( آبينزر سكروج ) هو أيضا درس اقتصادى لكل رأسمالى متوحش خاصة بعد الأزمة الإقتصادية الأخيرة التى تسبب فيها حفنة من الحمقى الجشعين .

لقد عاصر ديكنز توحش الرأسمالية فى بريطانيا ، وانتقد كثيرا صعود دولة المال والمادة فى مقابل تراجع الإحساس بالآخر ، وأفزعه أكثر تحول الإنسان الى آلة لجلب النقود فى حلبة صراع لا مكان فيها للضعفاء أو للمرضى أو لمحدودى المواهب والقدرات ، وكأن الضعف أو المرض ينزع عن الإنسان صفة الإنسانية . صرخة ديكنز فى (أغانى الكريسماس )عميقة بقدر ما هى بسيطة للصغار وللكبار معا : "يا من صنعتم أموالا .. أنتم لم تصنعوها إلا من خلال الناس .. لولا الأخر ستموتون .. ولولا المشاعر والأحاسيس لكان الحجر أكثر قيمة من البشر .. عيد الميلاد ليس مجرد مناسبة للإحتفال وتناول الطعام ، ولكنه فرصة لكى يولد رأسمالى جديد أكثر إنسانية لا يتفضل على الآخرين بشئ لأنه - كما قلنا -لا يفعل أكثر من أن يسخو بما تسخو الحياة به" .

أراد( روبرت زيمكس) أن يحافظ على روح حكاية ديكنز الكلاسيكية ، وأن يقدمها فى شكل معاصر وشديد الإبهار ، ستدخل الكاميرا فى البداية الى كتاب ضخم يحمل اسم قصة ديكنز ، وسنبدأ من اللحظة التى يفقد فيها سكروج صديقه وشريك حياته ( جاكوب مارلى ) ، وسنرى بخل سكروج وهو يرتعش مقدما عملة معدنية صغيرة للقائم على الدفن . الرجل العجوز الدميم خارج الزمن . بعد سبع سنوات الجميع يبتهجون استعدادا للإحتفال بالكريسماس ، إلا سكروج الذى ينتقد حماس الموظف الذى يعمل معه ( بوب كراتشيت ) ، وينتقد حماس ابن أخيه ( فريد ) الذى تزوج عن حب ، والذى يدعو عمه على العشاء ، ولكن العم يرفض ، فالوقت يوزن لديه بالمال ، والحياة فقط عمل ونقود ، وعندما يطلب منه البعض التبرع للفقراء والمشردين يتساءل فى صلف : "أين السجون والجمعيات الخيرية ؟" هذه الشخصية هى بالضبط( التينة الحمقاء) التى تحدث عنها (إيليا) فى قصيدته الشهيرة .

نلاحظ أن ( زيمكس ) يحول الحوارات داخل مكتب ( سكروج ) الى ما يقترب من المشهد المسرحى مع ضوء خافت مقبض ، وحتى دخول وخروج الزوار يشبه الدخول والخروج المسرحى ، وسيتغير ذلك تماما مع ( التجربة ) التى سيمر بها سكروج فى قصره الفارغ . تفتح النافذة بصوت كالرعد على شبح شريكه الراحل ( مارلى ) وقد عاد مقيدا بالأغلال ، وناقلا عذابه بالمال الذى جمعه لزميله سكروج . هذا رأسمالى مضى الوقت لإنقاذه يتدخل لإنقاذ رأسمالى آخر على قيد الحياة لا يفهم مغزى الحياة . ستكون وسيلة مارلى لإنقاذ سكروج هى إرسال ثلاثة أشباح تمثل الماضى والحاضر والمستقبل ، تكشف الأستار ، وتدخل سكروج فى تجربة يكتشف من خلالها حياته الفارغة رغم ثرائه المادى الذى لا حدود له . شبح الماضى سيكشف لحظات من حياة سكروج فى طفولته وشبابه : طفل وحيد يقضى ليلة عيد الميلاد بلا أصدقاء ، له أخت وحيدة أصغر منه تزوره فى ليلة العيد ، تخبره أن والدهما عاد الى المنزل وأصبح أقل شراسة ، يعمل فى إحدى الورش ويتعرف على فتاة جميلة ، فجأة يتحول المال الى معبوده الجديد ، الفتاة تتركه بينما يبرر تكريس حياته لجمع المال بسبب خوفه من الفقر .

شبح الحاضر ينقل إليه صورة لا حتفال الموظف الذى يعمل عنده ( كراتشيت ) بعيد الميلاد مع أسرته الصغيرة . ليس لديهم ديك رومى ولكن مجرد أوزة صغيرة . يلفت نظر سكروج الطفل ( تيم ) المقيد الحركة لإصابة إحدى قدميه بالشلل ، وينقل إليه شبح الحاضر أيضا سخرية ابن أخيه ( فريد ) منه فى حفل العشاء ، أما شبح المستقبل فينقله وسط ندف اثلج التى تحيط قبره المفترض ، والى خادمته وهى تستولى على أغطيته بعد وفاته، ثم يتحول سكروج الى قزم فى حجم فأر يطلب منه الشبح فرصة لكى يصبح رأسماليا طيبا يشعر بالآخرين , هى فى الحقيقة فرصة لكى يسترد إنسانيته . هنا لحظة التحول حيث يجرب سكروج حياة أخرى : يغنى مع المارة .. يتزحلق فى سعادة على الجليد .. يداعب خادمته العجوز .. يحضر عشاء ابن أخيه ( فريد ) ..يستقبل ( كراتشيت ) بحفاوة ويزيد له راتبه رغم تأخره عن العمل .. ويحمل ابنه ( تيم ) على كتفيه ليدخلا من جديد كتاب الحواديت الذى خرج منه كل هذا الخيال النبيل .

أدى استخدام النظارة والعرض البصرى ثلاثى الأبعاد الى جعل الشاشة باتساع العالم ، وأدخل المتفرجين الى تجربة سكروج المدهشة ، لا حدود للزمان ولا للمكان ، الحياة على بساط الريح والكادر باتساع الملكوت ، الكاميرا لم تعد تتحرك ولكنها تطفو وترقص وتصعد وتغوص ، الأصوات التى جسدها ( جيم كارى ) و ( جارى أولدمان ) و( وكولين فيرث ) و( روبين رايت بن) و(روب هوسكنز ) مدهشة فى تعبيرها عن عالم كل شخصية .. الموسيقى تخلنا الى أجواء التجربة الثلاثية من الماضى الى الحاضر الى المستقبل ، الألوان تصبح أكثر سخونة ودفئا كلما عاد سكروج الى إنسانيته المفقودة . عالم كامل من الخيال نجح ( روبرت زيمكس ) وفريق عمله فى تجسيده على الشاشة .. وقطع لنا تذكرة إضافية لكى ندخله بالمعنى الحرفى لاالمجازى .

يوم الكريسماس فى التفسير السياسى للفيلم هو يوم مولد سكروج الرأسمالى الجشع من جديد ، والفيلم أيضا دعوة لكل سكروج فى العالم يكتنز المال لكى يتأمل ويراجع ويعيد التفكير لأن ( الكفن مالوش جيوب ) !

السبت، 26 يونيو 2010

( نشر هذا المقال عن فيلم " التكفير " فى جريدة روز اليوسف اليومية بتاريخ 13/2/2008)



عن الحب والحرب والذنوب التى لاتغتفر !



محمود عبد الشكور



يمكنك أن تنظر من أكثر من زاوية لفيلم " التكفير " (The Atonement) للمخرج " جو رايت " : الزاوية النفسية باعتباره محاولة من أبطاله للتكفير عن ذنوب مدمرة ارتكبت فى الطفولة ولا تسقط بالتقادم ، والزاوية الإجتماعية باعتبار أننا أمام حكاية حب عاصفة نشأت فى ظل حرب قاسية ، وبين طرفين بينهما فروق إجتماعية لم تقهرها العاطفة أو التعليم ، والزاوية الإنسانية الشاملة باعتبار الفيلم دراسة عما تفعله الحرب فى الناس ، كما أنه محاولة للإجابة عن سؤال معلق فى كل الحروب هو : ومن يستطيع التكفير عن مآسى الحروب التى تقتل الملايين ، والزاوية الفنية والأدبية باعتبار أن الفيلم المأخوذ عن رواية كتبها " أيان ماكوين " يكاد يرتفع بالفن والأدب الى مرتبة علاج الضمائر المثقلة بذنوب الماضى . هنا حكاية حب مزقها الواقع وخلدها الفن ، وكأننا أمام تنويعة جديدة على فكرة الخلاص والخلود بالأدب والفن .



الحكاية فى " التكفير " بسيطة للغاية ويكن أن تروى فى سطور قليلة : الفتاة الصغيرة ( بريونى تاليس ) ذات الخيال الواسع وقعت فى سن الثالثة عشرة فى غرام ( روبين ) ابن مديرة منزلهم الفقير ، ولكنه كان يعشق شقيقتها الكبرى (سيسيليا)،، وعندما اكتشفت ( بريونى ) علاقتهما لم تتردد فى اتهامه باغتصاب ضيفة كانت تقيم عندهم تدعى ( لولا ) . تندلع الحرب العالمية الثانية فيفضل ( روبى) الذهاب الى الميدان بدلا من البقاء فى السجن ، ويحاول أن يستأنف علاقته مع ( سيسيليا) التى قاطعت شقيقتها وتحولت الى ممرضة متطوعة ، ولكن العاشقين يموتان فى الحرب : هى فى انجلترا وهو فى ( دنكرك ) شمال فرنسا ، ولأن الجرح لم يندمل ، فإن 0 بريونى ) التى أصبحت أديبة مرموقة تقرر فى شيخوختها أن تكتب روايتها الأخيرة عما فعلته من تدمير لعلاقة ( سيسيليا ) و (روبى )، وتطلق على الرواية اسم التكفير .



ولكن " التكفير " الذى كتب له السيناريو والحوار " كريستوفر هامبتون " ليس هو الحكاية ولكنه الشخصيات وتحولاتها وعواطفها ، وقد لجأ السيناريست الى عدة حيل ذكية ومشوقة لتحقيق ذلك خاصة فى النصف الأول من الفيلم أولها أنك تتعرف أولا على النتيجة ثم تشاهد فى المنظر التالى تفسيرا لحدث ، وخاصة عندما نرى الأحداث من وجهة نظر ( بريونى ) المراهقة التى تتسرع فى الحكم ، وقد تكررت هذه الحيلة مع مشهد تلصص ( بريونى ) على شقيقتها و ( روبى ) أمام حوض الماء ، ثم دخولها عليهما وهما فى لقاء حميم داخل المكتبة ، وللمحافظة على عنصر التشويق أيضاً لا نرى المشهد الوحيد الذى تحاول فيه ( بريونى ) جذب انتباه ( روبى ) لينقذها من الغرق إلا فى النصف الأخير من الفيلم ، ومن وجهة نظر ( روبى ) نفسه المتورط فى الحرب فى فرنسا ، ومن أفضل حيل السيناريو أيضا دمج المشهد الذى لم يحدث ولكن تخيلته بريونى فى روايتها عن لقاء بينها وبين سيسيليا وروبى حاولت أن تطلب فيه الصفح منهما دون جدوى ، وقد اعتبرت بريونى هذا اللقاء الذى ابتكرته فى الخيال تعبيرا عن أمنية لم تتحقق ، ثم استبقى هامبتون مفاجأته الأخيرة عندما تظهر بريونى وقد تقدمت فى العمر ( بأداء الممثلة الكبيرة فانيسا ريدجريف ) وهى تتحدث عن روايتها عن الأخيرة الواقعية ، وعن مرضها الذى جعلها تحاول التكفير من خلال الفن والخيال ، ثم تتحدث أخيرا عن موت روبى فى يونيو 1940 بتسمم فى الدم ، وموت سيسيليا فى قصف للطائرات الألمانية فى أكتوبر 1940 ، ويعبر المشهد الأخير عن لقاء روبى وسيسيليا الذى لم يحدث أبدا فى كوخهما على البحر ، كما يعبر عن نجاح الفن فيما لم ينجح فيه الواقع .

ومن أفضل تصرفات هامبتون الحرية التى تعامل بها مع الزمن بحيث تبدأ الأحداث عام 1935ثم يقفز خمس سنوات نعود بعدها شهورا وأ تنسىسابيع الى الخلف وكأته لا يعنيه سوى رصد تحولات شخوصه ، وإن كنت أظن أنه لم يرصد لحظة التحول فى حياة بريونى رغم مشهد تحجر الدموع فى عينيها عند إلقاء القبض على روبى ، كما بدت علاقتها بالجندى الفرنسى الجريح وحبه لها فى لحظات الإحتضار مبتورة وبلا معنى رغم أنها قد تكون على الأرجح من أسباب تحولها ، وشعورها المضاعف بالذنب . وعلى الرغم من أهمية مشاهد الحرب خاصة تلك التى تسجل انسحاب 300ألف جندى إنجليزى من فرنسا عام1940بعد الهزيمة ، إلا أننا أحسسنا أننا خرجنا من الجو الخاص الذى كرسه الجزء الأول من الفيلم ، ومن الواضح أن الضغط على ما حدث فى الميدان ومأساة الحرب هو محاولة لربط فكرة التكفير بمعناها الفردى بفكرة التكفير بمعناها الإنسانى عندما يطرح هذا السؤال : ومن يكفر عن المأساة التى حصدت الملايين مثلما كفرت بريونى عن خطئها فى حق شقيقتها وحبيبها روبى ، كما أن شخصيات أخرى مساعدة ولكنها شديدة الأهمية لم تنل حظها من من التحليل والعمق مثل لولا الفتاة المغتصبة ، وبول مارشال صاحب مصنع الشيكولاتة الذى تزوجها فيما بعد رغم أنه اغتصبها قبل خمس سنوات !

كل العناصر الفنية كانت على مستوى رفيع تحت قيادة ( جو رايت ) الذى أدار ممثليه ببراعة خاصة الممثلات الللاتى قمن بدور بريونى فى مراحل عمرية متفاوتة ، ولم يكن هناك اختيار أفضل من ( فانيسا ريدجريف ) لتعطى ثقلا مستمدا من تاريخها الطويل لشخصية بريونى فى سن الشيخوخة ، وقد جسد ( جيمس ماكفوى ) مشاهد لاتنسى فى الجزء الثانى كجندى وكعاشق يحاول أن يعود الى بريطانيا ليتزوج سيسيليا ليمحو عنها وعن نفسه العار، ونجحت كييرا نايتلى الى حد كبير فى تقديم شخصية الفتاة قوية الشخصية التى تكبت عواطفها المتأججة تحت قناع زائف من الجدية والإستعلاء الطبقى ثم ينهار هذا الجدار تماما بعد سجن حبيبها وإرساله الى الحرب . نجح المخرج ( جو رايت ) أيضا فى تقديم مشاهد الحب والحرب ببراعة واقتدار وكأنهما وجهان لعملة واحدة ، ولا ننسى المشهد الملحمى لا نسحاب الإنجليز من دنكرك ، وهو عبارة عن لقطة واحدة طويلة تتحرك فيها الكاميرا مع روبى واثنين من أصدقائه لتتابع الجرحى والقتلى والمدنيين والسفن والمعدات المدمرة وعجلة الملاهى الضخمة والخيول التى يطلقون عليها النار ، ثم تصعد الكاميرا مع الثلاثة الى حيث يدخلون إحدى الحانات ، وهذا المشهد الطويل يستحق أن يدرس فى معاهد السينما لأنه من أفضل المشاهد التى تجسد كارثة الحرب بطريقة مبتكرة ومؤثرة . ومن المشاهد الناجحة أيضا مشهد روبى الجندى المنهار وهو يدخل سينما بلا جمهور تعرض على شاشتها أحد المشاهد الرومانسية فى يبدأ هو رحلة الهذيان . ونجح المونتاج بامتياز فى تحقيق التشويق خاصة فى الجزء الأول من الفيلم ، وتحديدا فى لحظات كتابة روبى لرسالة الى سيسيليا بها لفظ فاضح ، ثم تغييره لها برسالة اعتذار ، وأخيرا وصول الرسالة عن طريق الخطأ الى يد بريونى ، واستخدامها فيما بعد لإدانة روبى باغتصاب ضيفة العائلة ، ورغم أن الإيقاع سيهبط بعد القبض على روبى والقفز خمس سنوات الى الحرب العالمية الثانية ، إلا أنه يعود الى التماسك مع ظهور بريونى كممرضة متطوعة تطلب الغفران فى سن الثامنة عشرة ، وقد ساهم شريط الصوت بدرجة واضحة فى التعبير عن مشاعر هذه الفتاة بالمزج بين صوت البيانو ودقات الآلة الكاتبة الت سنسمعها بسرعات متفاوتة سواء فى بداية الفيلم وهى تكتب مسرحيها الأولى " محاكمة أرابيلا " ، أو فى مشاهد عملها بالمستشفى ، وبالمثل يمكن الحديث عن براعة التصوير فى التعبير عن مشاهد رقة الحب ومشاهد قسوة الحرب .

فيلم ( التكفير) يتحدث عن الإنسان الذى لا نعرف عنه إلا القليل ، وهو فيلم عن العواطف الداخلية المعقدة ، وعن قدرة الفن على تحرير صانعيه ، وقدرته على تخليد الواقع وتغييره للأفضل ، بل إن كلمة الواقع نفسها تبدو مضللة وغير دقيقة لأننا أمام واقع افتراضى ومراوغ . لقد شاهدنا على الشاشة طريقة صنع رواية خطوة بخطوة ، وساهمنا نحن بخيالنا فى استكمالها بالموافقة على نهايتها الإفتراضية السعيدة ، ثم إن ( التكفير ) يثبت ما نكرره دائما من أن أكثر الأفكار عمقا يمكن أن تنقلها الحكايات البسيطة والعواطف الصادقة والمواهب الإستثنائية .

الجمعة، 18 يونيو 2010

(نشر هذا المقال فى 20أبريل ( نيسان ) من العام 2008، ويحاول أن يضع الفيلم الأمريكى المتميز ( لا وطن للعجائز ) فى إطار أكبر مما قد يراه البعض لأول وهلة كمجرد فيلم آخر عن المخدرات والقتل من أجل حفنة دولارات )



( لا وطن للعجائز ) - ولا للعقلاء أيضاً !



محمود عبد الشكور



يستحق فيلم ( لا وطن للعجائز ) " لمخرجيه الشقيقين ( إيثان ) و(جويل كوين ) الضجة والتقدير اللذين رافقاه فى كل مهرجان عرض فيه لأنه حلة خاصة من سينما التشويق والعنف لا تكتفى بمشاهد القتل والتوتر والتصفية الجسدية ، ولكنها تحاول أن تناقش ما هو أعمق ، وتحاول أن تفشر ما يحدث أو تفلسفه ، ومن هذه الزاوية فإن ( لاوطن للعجائز ) ليس فيلما عن المال والمخدرات أو حتى عن جرائم القتل التى ترتكب على الشاشة بكل بساطة ، ولكنه فيلم عن الشر داخل الإنسان ، عن ذلك الوحش الذى يراه صناع الفيلم أصيلا وراسخا ومستمرا وبلا حدود وغير قابل للهزيمة ، الفيلم أيضا عن البحث شبه العبثى عن الحقيقة والعدالة فى حين تبدو حياة الإنسان تدور فى حلقة مفرغة ، ولذلك نستطيع القول أننا أمام فيلم فيه عالم ( بولا نسكى ) المخرج البولندى الأشهر صاحب النظرة السوداوية عن الإنسان ومصيره ، ولا أشك لحظة فى أن هذا المخرج الكبير كان سيرحب حتما بأن يضع اسمه على ( لا وطن للعجائز ) الذى يحتفظ أيضا بأصالة وبصمة مخرجيه ( إيثان وجويل كوين )



حكاية الفيلم يمكن أن تكون شاهدتها فى أفلام كثيرة سابقة ولكن مسطحة وبدون أى أبعاد : إنه الصراع العبثى على المال والمخدرات ، ولكن الصراع هنا يدور بين ثلاث شخصيات اساسية هى : ( لوبليه موس ) الذى يعمل لحاما ، والذى نعرف أنه حارب فى فيتنام ، ولكن حياته تتغير وهو يصيد الغزلان عندما يكتشف مجموعة من السيارات بداخلها وحولها جثث افراد عصابة قامت بتصفية بعضها البعض ، وتركت حقيبة بها 2مليون دولار ، والشخصية الثانية هى القاتل شبه المعتوه ( أنطون شيوجر ) الذى يمارس القتل بمناسبة وبدون مناسبة ، ونراه يطارد (موس ) من فندق لآخر للحصول على الحقيبة ، والشخصية الثالثة هى المأمور المخضرم الذى يقدمه الفيلم بلا اسم ، ويؤدى دوره النجم ( تومى لى جونز ) ، وهذا المأمور هو الذى يعطى الفيلم عمقه الفلسفى والإنسانى حيث يعلق طوال الوقت على هذه المهزلة الأرضية أثناء مطاردته أيضا ل(موس ) سارق الحقيبة ، ول ( شوجر ) القاتل العشوائى ، ثم تضاف بعد ذلك شخصيتان مساعدتان وهامتان هما : " كارسون ويلز " ( بأداء النجم وودى هارلسون ) الذى يكلف من قبل شخص غامض بتصفية ( شوجر ) ولكن الأخير يقتله بهدوء وثقة ، و( كارلا جين ) زوجة ( موس ) ونقطة ضعفه ، والتى يهربها الى مدينة ( أوديسا ) خوفا عليها ، ولكنها تموت أيضا على يد ( شوجر ) الذى يصفه أحد أبطال الفيلم بأنه الشر الخارق ، ولهذه المطاردة الدموية العبثية ثلاث نهايات متكاملة : الأولى هى مصرع ( موس ) وزوجته ( كارلا ) ، والثانية هى نجاة ( شوجر ) للمرة الثانية من القتل رغم إصابته ، والثالثة هى اعتزام المأمور التقاعد بعد أن مارس عمله فى البحث عن الحقيقة والعدالة ومطاردة الشر بلا جدوى منذ أن كان فى سن الخامسة والعشرين .



مفتاح هذا الفيلم البديع بالتأكيد هو شخصية ( أنطون شوجر ) الذى يرتفع من شخص عادى الى ما يشبه أن يكون تجسيدا ً للشر نفسه ، صحيح أننا نسمع أنه معتوه ، ولكن هذا الوصف يأتى من خلال عيون الآخرين ، أما هو فلديه منطقه وكأنه مكلف بمهمة لا يستطيع أن يتراجع عنها ، ورغم أنه لايحصل على المال ، بل ولا يكاد يهتم به ، فإن لذته المؤكدة فى فعل القتل ذاته ، ونحن لا نعرف- تماما مثل الشر - من أين أتى ؟،كما إنه غيىر قابل للموت أو التصفية ، ونراه فى أحد أقسى المشاهد وهو يستخرج الرصاص من رجله ببراعة ، وفى مشاهد كثيرة يظهر بدون تمهيد حاملا معه الموت ، وفى مشهد آخر هام يقذف يعملة معدنية فى الهواء ممارسا لعبة الموت والحياة مع أحد الخائفين . وفى مقابل هذا الشر القوى القاهر يقف الخير ممثلا فى المأمور وحيدا وتأملا بل وعاجزا ومهتز الإيمان ، ولعل ( لا وطن للعجائز ) من الأفلام النادرة التى تقدم مأمورا يعيش فى الغرب الأمريكى لا يطلق رصاصة ، ويبدو تقاعد المأمور فى النهاية كما لو انه استسلام كامل بعد أن أدرك أن المشكلة ليست فى حفنة من الخارجين عن القانون ولكنها فى الشر المتأصل فى الإنسان الذى لايمكن تغييره ، وفى نهاية الفيلم أيضا نسمع المأمور وهو يحدثنا عن عن نجاحه فى القبض على رجل قتل فتاة فى سن الرابعة عشر ما أدى الى الحكم بإعدامه بالكرسى الكهربائى ، ويحدثنا أن الرجل استقبل الحكم بهدوء ، بل إنه أكد أنه لو ترك حيا سيكرر جريمته مع آخرين لأنه يستمتع بالقتل .



أما بارقة الأمل الوحيدة فى الفيلم فهى فى الحلمين اللذين يحكى عنهمها المأمور لزوجته فى آخر مشهد من الفيلم : فى الحلم الأول يظهر والد المأمور ( وكان مأمورا ايضا ) وهو يحاول أن يمنح ابنه نقودا ولكنه يفتقده ، وفى الحلم الثانى يرى والده وهو يحمل شعلة نار ، ويتأكد عندها أنه عندما أنه عندما سيذهب الى أى مكان سيجد والده فى انتظاره بهذه الشعلة . الحلمان يمكن تفسيرهما ببقية إيمان ، وبأن الأمل فى قهر الشر ممكن ول حتى فى عالم آخر رغم اهتزاز ثقة المأمور فى عالم الروح ، ورغم ما شاهده من قسوة البشر خلال عمله ، ورغم ما يقرؤه لمساعده من خبر منشور حول حادثة مأساوية لعصابة تخصصت فى خطف كبار السن ثم قتلهم من أجل سرقة خطابات الضمان الإجتماعى التى يحصلون عليها ، وقد تساءل المأمور وسط دموع مساعده : " لماذ يعذبونهم قبل قتلهم ؟"، ويتعجب أكثر لأن الجيران لم ينتبهوا إلا عندما شاهدوا عجوزا وحول رقبته طوق كلب ، ولم يلفت انتباههم أبدا عمليات حفر القبور المستمرة للضحايا !

روعة فيلم ( لا وطن للعجائز ) فى نجاح صناعه فى تقديم فيلم تشويقى لا تستطيع أبدا أن تترك مقعدك أثناء مشاهدته ، ولا تستطيع أبدا أن تتوقف - فى نفس الوقت - عن التفكير لقراءة مغزى صوره ورسومه ، وروعة الفيلم أيضا أن شخصياته أمريكية بامتياز تجسد قسوة بيئة وشخوص الغرب الأمريكى ، وهناك إشارات واضحة عن هذه البلد الصعبة على ناسها ، كما أن هناك حديثا عن فيتنام التى حارب فيهلضوءا (موس ) والقاتل المحترف ( كارسون ويلز ) ، ولكن الفيلم يتجاوز ذلك الى أبعاد إنسانية عامة بحواره البديع الذكى والساخر الذى يذكرك : على نحو ما بمسرحيات كتاب العبث الكبار مثل (بيكيت ) حيث يتم التلاعب بالألفاظ والكلمات لإثبات فشلها فى تحقيق التواصل الإنسانى ، وتمتزج الرؤية البصرية للمخرجين ( إيثان وجويل كوين ) لترجمة كل هذه المعانى العميقة ، ولإعطاء صورة مؤلمة عن الشر ومصير الإنسان البائس الذي يرجح أن يكون مصير العجائز الضعفاء بمثابة اسقاط واضح واستعارة معبرة عنه ، ومن أبرز إبداعات هذا الثنائى إضفاء الوحشة بطريقتين مختلفتين على مشاهد الفيلم : فى المشاهد النهارية ذات الأماكن المفتوحة حيث الشمس ساطعة يتم استخدام اللقطات البعيدة لإبراز ضآلة الإنسان وسط النباتات الشوكية والصحراء الواسعة ، وفى المشاهد الليلية سواء فى الأماكن المفتوحة أو المغلقة كالحجرات مثلا يتم التلاعب بالضوء واستخدام اللون الأزرق الذى ينقل إلينا الإحساس بالبرودة والموت ، وهناك تتابعات بأكملها يجب تدريسها تؤكد استيعاب المخرجين لتراث سينما التشويق مثل تتابعات هروب ( موس ) فى الماء أو مشهد انتظاره لغريمه " شوجر" ( لاحظ الدلالة الساخرة للإسم )، وهناك دقة واضحة فى استخدام المونتاج لتحقيق لحظات تحبس الأنفاس مع النجاح أيضا فى منع استغراق المشاهد فى الأحداث بشكل كامل حتى يجد وقتا للتفكير والتأمل ، روبما بسبب ذلك لم نشاهد بعض الجرائم التى ارتكبها (شوجر ) اكتفاء بوصول المعنى ، ولا ننسى الإدارة العبقرية لكل ممثلى الفيلم الذين يمتلكون حضورا وفهما لأدوارهم الصعبة ذات الدلالات .

سينما التشويق والعنف ليس إلا إطار نقول من خلاله أى مضمون بما فى ذلك أعقد القضايا الفلسفية والوجودية ، ولي هناك دليل على ذلك مثل فيلم ( لا وطن للعجائز ) الذى يجمدك فى مكانك من التوتر والقلق ، ولكنك تخرج منه وفى رأسك أسئلة لا نهائية ، لقد سألت نفسى مثلا : ( شوجر ) أصيب بالرصاص ولكنه لايموت ، ونراه يسير فى الشارع بقوة وثقة ، والمأمور سيعتزل نهائيا ً ، فهل يمكن أن يكون المأمور اليائس الضحية القادمة ل ( شوجر ) رمز الشر الخارق ؟!

الأربعاء، 2 يونيو 2010

( الأفلام ليست بضخامة إنتاجها ولكن بذكاء معالجتها وبقدرتها على التأثير . هناك أعمال قوتها فى هذه البساطة والسهولة الممتنعة مثل هذا الفيلم البريطانى الجميل ( بعيداً عنها ) الذى كتبت عنه هذا المقال فى ( روز اليوسف ) اليومية فى 5 مارس (آزار ) من العام 2008 )


عن الحب الذى يقهر النسيان !


محمود عبد الشكور


الفيلم البريطانى المؤثر (away from her ) أو ( بعيداً عنها ) لمخرجته الموهوبة "سارة بوللى " ، والذى خرج من مولد الأوسكار بلا جائزة ، من تلك الأفلام التى ستعيش طويلا فى الذاكرة لأنه يتجاوز حكاية امرأة عجوز تعانى من مرض الزهايمر الى دورالحب فى صناعة ذاكرة جديدة للإنسان ، وإذا كان الحب يقهر الزمن فى رائعة "توفيق الحكيم " ( أهل الكهف ) ، وإذا كان الحب يسخر من المرض والتقاليد فى رأئعة (جابرييل جارسا ماركيز ) ( الحب فى زمن الكوليرا ) ، فإن الحب فى بعيداً عنها الذى كتبته مخرجته للسينما عن قصة قصيرة ، يتحدى النسيان ويقهر الوحدة مما يجعل من الفيلم حالة خاصة تصنع من الألم أملا وحبا مضاعفا للحياة .


الرائعة (جولى كريستى ) التى عرفها العالم بأدوارها فى أفلام مثل (دكتور زيفاجو ( و(بعيداً عن الزحام المجنون ) تلعب هنا دور الزوجة ( فيرونيكا ) التى يهاجمها الزهاير خطوة خطوة ، وزوجها العجوز " جرانت " ( يلعب دوره باقتدار "جوردون بينسينت ") يحافظ على مشاعرها ويلاحظها متألما . لقد اقترن بها وهى فى سن الثامنة عشرة ، وعاشا معا لمدة 44 عاما . قالت له :"هل سيكون على مايرام أن نتزوج ؟" . قال لها:"نعم" لإنه لم يفكر لحظة أن يكون بعيدا عنها . فى شيخوختها تنسى أماكن أوانى الطعام وتضع بعضها فى الثلاجة ، وفى حفل عشاء تنسى اسم النبيذ .أثناء تزحلقها على الجليد بمفردها تسقط على الأرض ، وتتوه من زوجها الذى يبحث عنها ويسترجعها . تقول له إنها تنسى شيئا ما ولكنها لاتعرف أبدا ما هو وما هى أهميته .لا يجد الزوج مفرامن اقتراح أن تدخل المصحة يزور المكان ولكنه يتراجع . المفاجأة أنها هى التى ستصر على العلاج . شهر بأكمله لن يزورها وفقا لتعليمات الأطباء ، وعندما يعود يجد زوجته شخصا آخر . من الواضح أنها تستغربه ،كما أنهابدأت تهتم بمريض آخركانت تعرفه من قبل من خلال ترددها على السوبر ماركت . الزوج يشعر بالغيرة رغم تأكيدات الأطباء أن اهتمام الزوجة بشخص آخر لايعنى شيئا بسبب مرضها ، ولكن "جرانت" يمكن أن يقبل أن تنسى زوجته كل شئ إلا حبه وشخصه .يلجأ الى زوجة المريض( تؤدى دورها القديرة أوليمبيا دوكاكيس) ، والتى تعانى بدورها من وحدة قاتلة . تشكو الى جرانت حياتها ، وتحاول التقرب منه فى حين يحاول هو أن يدفعها لأخذ زوجها من المستشفى بعيدا عن (فيرونيكا ). تتدهور حالة فيرونيكا . يتزايد المسح التدريجى لذاكرتها وماضيها . يقضى الزوج ليلة مع الزوجة الوحيدة( أوليمبيا ). عندما يعود الزوج الى المستشفى يكتشف أن فيرونيكا بدأت فى حبه رغم أنها نست أنه زوجها . لقد بدأت فى التعاطف مع هذا الرجل الذى يحضر كتابا عن آيسلندا ويقرأه لها . يحتضنها جرانت بحرارة بعد أن ولد الحب من جديد رغم موت الزوج فى ذاكرتها القديمة .
فكرة بديعة قدمتها سارة بوللى فى سيناريو رائع يلعب على المشاعر والأحاسيس ، وأجمل ما فيه أن سارة ابتكرت حلولا سردية وبصرية جيدة للتغلب عن جفاف الحديث عن مرض الزهايمر وتفصيلاته ، وأدركت أن الفيلم ليس عن المرض ولكنه عن الحب والعواطف . كان رائعا اختيار منزل بعيد تحيط به الثلوج كمكان للأحداث ، ويبدأ الفيلم بآثار أدوات التزلج التى كان يستخدمها جرانت وفيرونيكا معا كما ينتهى بنفس الآثار مما يوحى بإغلاق الدائرة ، وتتخلل الأحداث فلاشات سريعة الى الماضى تظهر فيها فيرونيكا ممتلئة الحيوية فى سن الثامنة عشر . فى إحدى اللقطات يستعد جرانت أمام المرآة لزيارة فيرونيكا فى المستشفى فتقطع المخرجة فجأة الى الماضى حيث يقف جرانت أمام المرآة فى شبابه ثم تدخل فيرونيكا الشابة لتحيط به فى حب ، وقد ساهم الحوار خاصة جمل الكتاب الذى يقرأمنه جرانت لزوجته فى نقل مشاعر الشخصيات من الداخل الى الخارج .
من ابتكارت سارة بوللى فى السيناريو أيضا أن بناء الفيلم حتى ثلثه الأول يسير فى خطين متوازيين : الأول اكتشاف جرانت لمرض زوجته حتى دخولها المصحة ، والثانى هو ذهاب جرانت الى ماريان زوجة المريض الذى ارتبطت به فيرونيكا فى المستشفى لكى تساعده على إبعاد زوجها عن فيرونيكا المريضة ، ورغم أن الحدث الأول يسبق الثانى إلا أنهما يسيران جنبا الى جنب بما يقترب من القطع المتوازى ، ويعنى ذلك أن كل لقاءات جرانت وماريان ليست إلا نوعا من( الفلاش فوروارد )أو النظرة للأمام على أحداث ستقع . هذا التلاعب الزمنى يدخلنا فى حالة من الحيرة والإلتباس اللذين شعرت بهما فيرونيكا ، وفى النهاية سنكتشف أنه لا جدوى من متابعة الزمن لأن الأمر يتعلق أولا وأخيرا بالأحاسيس التى يعبر عنها أساتذة التشخيص الكبار فى الفيلم .
على المستوى البصرى قامت المخرجة الموهوبة باستغلال مفردات المكان ببراعة ، واستخدمت بذكاء تبادل التركيز البؤرى بين عمق الصورة ومقدمتها للتأكيد على فكرة تحول ذكريات الماضى فى عقل فيرونيكا الى ما يشبه الضباب ثم تحولها الى صفحة بيضاء تشبه بياض الثلج الذى يحيط بالمنزل . هناك مشاهد لا تنسى نجحت المخرجة فى إدارتها ببراعة مثل مشهد عودة فيرونيكا الى منزلها بدون ذاكرة ، وملاحظتها البريئة على براعة سكان النزل فى ترتيهه ، كما استغلت المخرجة ووظفت الحركة البطيئة بذكاء خاصة فى المشاهد داخل المصحة ، وقد انتقلت هذه الحركة من فيرونيكا الى جرانت الذى تباطأ الزمن بالنسبة له من كثرة دخوله الى عالم المرضى فى المستتشفى ، ونجحت أيضا فى استغلال إطارت الأبواب ودخول الممثلين الى عمق الصورة بشكل متكرر مما حول المرضى وزائريهم الى ما يشبه الصورة الفوتوغرافية الثابتة . لابد أيضا أن نشير الى الموسيقى التصويرية الرائعة التى وضعها ( جوناثان جولد سميث ) مستخدما البيانو والجيتار ، والتى تحولت فى مشهد تسرب الذاكرة من عقل فيرونيكا الى دقات متباعدة على أصابع البيانو ، كما ساهم المونتاج فى ضبط الإيقاع والزج بين أزمنة متباعدة للأمام وللخلف بنعومة وسلاسة .
أما أداء (جولى كريستى ) الذى رشحت عنه لأوسكار أحسن ممثلة فهو درس خصوصى فى التشخيص والتعبير بالوجه وبالعينين بل وبحركة الجسد فى مراحل المرض الأخيرة ، كما أن القدير (جوردون بنسينيت) كان من أهم أسباب ارتفاع أداء (جولى ) و( أوليمبيا دوكاكيس ) . كان الأمر اشبه بمباراة قوية تتبادل فيها الأطراف استعراض قدراتها الفنية ، وأصعب ما فى شخصية جرانت هذا التناقض بين مظهره القوى وداخله الهشّ ، وقد عبر جوردون باقتدار يليق بفنان كبير عن هذا التناقض .
فيلم (بعيداً عنها ) سيمفونية من المشاعر الرقيقة النبيلة أجاد عزفها نخبة من الممثلين المحترفين ليؤكدوا من جديد أن الصعوبة فى البساطة ، وأن الفن رؤية مختلفة لأشياء نراها كل يوم دون أن تلفت أنظارنا .

الثلاثاء، 11 مايو 2010

" مانويل دى أولفيرا " والفتاة الشقراء غريبة الأطوار !

بمناسبة عرض مهرجان كان لأحدث أفلام المخرج البرتغالى ( مانويل دى أوليفيرا ) وعنوان الفيلم (حالة أنجيليكا الغريبة) .. اخترت أن أكتب لكم عن فيلمه قبل الأخير (eccentricities of a blond hair girl ) أو ما يمكن ترجمته الى ( فتاة شقراء غريبة الأطوار ) . أوليفيرا الذى ولد فى 12 ديسمبر عام 1908 فى سيدوفيتا فى بورتو بالبرتغال يقول عن نفسه أنه أخر الأحياء من عصر السينما الصامتة ، ويعتبر أكبر المخرجين الأحياء العاملين سناً ، حماسه لا ينقطع للعمل ، وحماس المهرجانات لا ينقطع لتكرمه أو عرض أفلامه ( فيلم أنجيليكا فى قسم نظرة خاصة ) . أول أفلامه التسجيلية قدمها عام 1931 ، وفيلمه الروائى الأول كان عام 1942 ، معظم أفلامه قدمها بعد سن الستين ، ولم يعرفه الجمهور إلا بعد أن أكمل الثمانين . حصل على جائزة لجنة التحكيم الخاصة فى كان عن فيلم (الرسالة ) عام 1999، وحصل على جائزة نفاد السينما عن فيلم (رحلة فى بداية العالم ) عام 1997 .حصل على تكريمات كثيرة من المهرجانات الكبرى مثل السعفة الذهبية من مهرجان كان ، والأسد الذهبى من مهرجان فينيسيا عن مجمل أعماله .

أما عن فيلم ( فتاة شقراء غريبة الأطوار ) الذى أخرجه ( أوليفيرا ) فى عام 2009 فلا تزيد مدته عن 64 دقيقة ولكنه يكفى لكى تحس بأستاذية المخرج العجوز وأسلوبه السهل الممتنع . تقريباً لا تشعر بوجود كاميرا ومخرج وممثلين وإنما هى قطعة من الحياة قفزت الى الشاشة مفعمة بالمشاعر والأحاسيس مع حالة من السخرية العذبة . لم استقبل الفيلم باعتباره رومانسيا ولكنى أعتبرته رثاء للرومانسية . ليس فى الفيلم الذى أعده أولفيرا عن قصة قصيرة أى لقطة أو جملة حوار لا لزوم لها . كل شئ فى مكانه وتعبير الممثلين على قدر الإحساس بلا زيادة أو نقصان .انها بلاغة الإيجاز من استاذ أصبحت أدوات السينما فى يده -بعد هذا العمر الطويل - كالقوس فى يد العازف أو كالفرشاة فى يد الرسام ، لم يعد مهتما أن يرى الأوتار أو مكان اللوحة لأنه مهموم بأن ينقل رؤيته ، وعلى الأدوات أن تنفذ ، وعليها أن تؤمر فتطيع ." ماكاريو " بطل الحكاية شاب رومانسى بامتياز يبدو وكأنه قادم لتوه من القرن الثامن عشر ، إنه يحكى قصة غرامه لامرأة لا يعرفها فى القطار ومن خلال أكثر من عودة للوراء نشاهد القصة مدعومة بحديثه عن الحب والرومانسية . أمام شقته ، ومن خلال شباكها شاهد لويزا لأول مرة ، شابة شقراء فاتنة تمسك مروحة ، ولا تفارق أمها مدام فيلاسا . فى محل لللاقمشة يراها مرة أخرى مع الأم ، يتبادل معها النظرات . فى حفلة ثالثة يتحدث اليها ويقول بوله : أنت مثل نسمة الهواء . الحقيقة أن استخدام أوليفيرا لإطار النافذة التى تقف فيها لويزا يجعلها مثل لوحات جميلات عصر النهضة . ومثل أى قصة رومانسية لابد من عائق هو عم الشاب الثرى فرانشيسكوالذى يرفض فكرة الزواج . ماكاريو يترك العمل فى شركته ، ولكنه يفشل فى الحصول على عمل لأن الجميع على علاقة بالعم . تعرف لويزا أنه يحبها ولكن العم ضد الفكرة . يسافر ماكاريو عن طريق أحد الأشخاص الى جزر الرأس الأخضر للعمل فى شركة تجارية . يودعها قبل السفر . يبعث لها بالرسائل المكتوبة . يعود الى لشبونة ومعه المال ولكنه سرعان ما يتورط فى ضمان صديق ، فيصبح مطالبا بتسديد ديونه . يفكر فى السفر من جديد الى الجزر ، ولكن العم يرضى عليه ويوافق على زواجه .
يروى ماكاريو مفاجأة القصة لسيدة القطار : ذهب مع لويزا لاختيار خاتم الزواج . التاجر تعرف على الفور على العروس الشقراء . اتهمها بسرقة خاتم ثمين من قبل . الحسناءبدت مرتبكة ، و ماكاريو اتهمها بأنها لصة . قال لها أن تذهب وإلا استدعى البوليس . ظلت لويزا صامتة وحزينة واخترق القطار الشاشة . السخرية بالطبع واضحة من الذين يعيشون الحاضر بقيم منقرضة . ترى هل الشقراء هى التى تستحق أن توصف بغرابة لأطوار أم هذا الشاب الحالم ؟
هذا هو السؤال

الاثنين، 3 مايو 2010

(نشر هذا المقال لى فى جريدة ( روز اليوسف ) اليومية بتاريخ الأحد 7 فبراير 2010 . إنه اجتهاد خاص لاختيار أفضل عشرة أفلام مصرية فى العقد الأول من القرن الحادى و العشرين ( من عام 2000 الى عام 2009 ) . آمل أن يلقى الإختيار قبولكم دون أى مصادرة على حق آخرين فى إعداد قوائمهم الخاصة مشفوعة بمبررات الإختيار)


أفضل عشرة أفلام مصرية فى عشر سنوات !

محمود عبد الشكور

عشر سنوات كاملة تمثل العقد الأول من القرن الحادى والعشرين من عام 2000 الى عام 2009 قدمت السينما المصرية خلاله الكثير من الأفلام المتواضعة والرديئة ، ولكنها قدمت مجموعة من أفضل أعمالها بتوقيع حفنة من الموهوبين فى كل عناصر الفيلم.قبل ثلاث سنوات تقريباً من عام 2000 حدثت ثورة السينما أو انقلابها الذى أيده الجمهور.تغيرت الصورة والأسماء ونوعيات الأفلام ، ولكنك تستطيع القول إن السنوات العشر الماضية شهدت التقدم الى الأفضل والى المزيد من الإستقرار، وبعد سيطرة نوع واحد من الأفلام مثل الكوميديا والأكشن ، اتسعت الصورة لاستيعاب أنواع أكثر، واختتم العقد بدخول وزارة الثقافة الى حقل الإنتاج من جديد بعد سنوات طويلة من العزوف . عند محاولة اختيار أفضل عشرة أفلام خلال هذه السنوات العشر اكتشفت جوانب إيجابية كثيرة منها مثلاً سهولة الوصول لحوالى ثلاثين فيلما مصريا يمكن الإختيار والتصفية بينها ومن أنواع مختلفة ، بل وبدا أنه من السهل أن تتحدث عن خمسين فيلماً مثلاً، ويمكنك أن تختارمن داخل كل نوع من الأنواع . فى الأكشن مثلاً لديك مافيا وتيتو وعجميستا والجزيرة ، وفى التشويق لديك ملاكى اسكندرية والشبح ونقطة رجوع، وفى الكوميديا لديك فيلم ثقافى وجواز بقرار جمهورى وحسن ومرقص وعريس من جهة أمنية والسفارة فى العمارة وكدة رضا، وفى التراجيديا لديك ابراهيم الأبيض وإنت عمرى ، وفى الكوميديا الرومانسية لديك تيمور وشفيقة وحريم كريم ، وفى الكوميديا الموسيقية لدينا تجربة فريدة لم تأخذ حقهافى الإشادة هى "مفيش غير كدة "، وفى الدراما الإجتماعية لديك أسرارالبنات وخلطة فوزية، وفى الدراما النفسية عندك التوربينى و45 يوم وميكانو . بل إن الساحة اتسعت لأفلام عن شخصيات معروفة راحلة مثل أيام السادات وحليم ، وأعمال ليوسف شاهين مثل " هى فوضى " و"اسكندرية ..نيويورك" ، وتجارب خاصة جداً رغم الملاحظات الفنية مثل أفلام محمد أبوسيف كالنعامة والطاووس وخالى من الكوليسترول وخللى الدماغ صاحى ، وأفلام الوجوه الجديدة الشابة مثل " أوقات فراغ " و"الماجيك "، والأفلام التى تحولت من الديجيتال الى 35 مللى ، والتى بدأت بفيلم " المدينة " وصولاً الى " ليلة فى القمر "و"بصرة " وعين شمس ، ولدينا أيضا الأفلام ذات الأبعاد السياسية كما فى دم الغزال ومعالى الوزير . والعجيب أن نجمة منعصر ما قبل انقلاب السينما مثل نادية الجندى قدمت أروع أدوارها على الإطلاق فى فيلم "الرغبة "(2002 ) للمخرج على بدرخان .

اخترتُ مبدئياً ثلاثين فيلما عرضت من عام 2000 الى عام 2009 ، ثم تمت التصفية الى عشرة أفلام فقط اعتبرتها الأفضل لأنها الأكثر تكاملاً فى عناصرها ، ولأن بها سمات الإبتكار والإختلاف ، ولأنها منحت فرصاً أكبر لكى تظهر بصمة مخرجيها ، ولأن كل فيلم يشكل نقطة مهمة فى مسيرة الأفلام المصرية لدرجة أنها يمكن أن توضع باطمئنان فى قائمة الأفضل على مدار تاريخ هذه السينما الرائدة. وفيما يلى أفضل عشرة أفلام فى العقد الأول من القرن الحادى والعشرين وفقاً للتصفية والمعايير السابقة ، والرقم المكتوب بين قوسين بجوار كل فيلم هو سنة العرض وليس سنة الإنتاج .

(1) بحب السيما "2004 "



أحد أفضل أفلام السينما المصرية عموما ببنائه المتماسك وبعمق أفكاره وبجرأته فى المعالجة ، ومن الأفلام النادرة التى تناولت الشخصية المسيحية ولكن المعبى الأهم هو تمجيد قيمة الحرية وإدانة إساءة استغلال السلطة ألأبوىة على كل المستويات الدينية والسياسية والعائلية . الفيلم يطرح الحرية بديلا عن القهر ، والحب بديلا عن الخوف ، ويربط الإثنين بحب السينما.. أداء متفوق من كل الممثلين .

(2)أرض الخوف "2000 "

أحد أهم وأنضج أفلام داود عبد السيد إخراجا وتأليفا . وأفضل أفلام الراحل احمد زكى على الإطلاق فى رايى كمشخصاتى فريد ..لماذا؟ لأن دور ضابط الشرطة الذى يتحول الى تاجر مخدرات يعتمد تماما على الإنفعالات الداخلية المركبة ، وقد عبر عنها المشخصاتى الفذ باقتدار مدهش . الفيلم يذكرك بلأدب الوجودى حيث افنسان وحيد وخاضع للإختبار وللإختيار بلا هوادة ، والأجمل أن المستوى المباشر وهو الصراع فى عالم المخدرات مشوق وجيد الصنع . الصورة وشرط الصوت يستكملان دائرة الثراء والإبداع .

(3)جنينة الأسماك "2008 "

قطعة أصيلة بتوقيع يسرى نصرالله عن الخوف الذى يأكل الروح ويشل الجسد ويحول البشر الى كائنات ضعيفة تعيش فى جزر منفصلة . بمعاونة ناصر عبد الرحمن جاء السرد بعيدا عن التقليدية ويزيد التفرج احساسا بالإغتراب وعدم الإرتياح . يلعب الظلام دورا أساسيا فى هذا الفيلم بما يجعل الشخصيات سجينة إطارات سوداء مزعجة . ترتدى الموهوبة هند صبرى قناعا محايدا طوال الأحداث فى حين تظهر سماح أنور فى لقطات قصيرة ومؤثرة لا تنسى مثل المخضرم جميل راتب .

(4) فى شقة مصر الجديدة "2007 "

طوفان متدفق من الرومانسية الرقيقة بتوقيع أحد فرسان الواقعية الجديدة محمد خان . سيناريو محكم من وسام سليمان ونهاية لا مثيل لها توحى ببداية ومولد حب جديد بين شخصيتين مختلفتين تماما . السحر والمعجزة هما الحب وليس العفاريت الوهمية داخل الشقة . الحب يستحق التجربة ومعاناة الإنتظار ، وأغنية ليلى مراد التى ترافق البطلة واقعية جدا وليست خيالية . رومانسية بدون كلمة أحبك وأداء مذهل من غادة عادل ،ودورنجوى الذى قامت به من أفضل الشخصيات الدرامية كتابة وتشخيصا وتأثيرا .
(5) سهر الليالى "2003 "
ليس لأنه الفيلم الذى كسر احتكار الأفلام الكوميدية والأكشن ، ولكن لأن تامر حبيب أعاد غحياء عالم احسان عبد القدوس بمزيج فريد من الرومانسية والواقعية . الحكايات ولغة الحوار تنيض بروح الواقع ، ولكن غلافا واضحا من الرومانسية يغلف السرد بأكمله . فى مشهد النهاية وحيث يرقص الجميع وتبدو الحفلة واغنية فيروز تعبيرا مناسبا لنهاية فيلم رومانسى ولكن إشارات استمرار لعبةالحب والزواج ومشاكله ،والقفزة فى الهواء للعريس الجديد، كل ذلك يعيدنا الى الواقع حيث لا نهاية لهذه المغامرة الخطرة .من النادر أن يصل مستوى التشخيص الى هذا المستوى الرفيع فى أىّ فيلم مصرى أوعربى .
(6)واحد-صفر "2009 "
لوحة ضخمة للمجتمع المصرى من خلال نماذج مختلفة اقتصاديا واجتماعيا ويجمع بينها معاناتها من هموم فردية لا تجد وسيلة للهروب إلا بالفرحة بعد فوز المنتخب الكروى فى مباراة حاسمة . هناك أيضا أسئلة أكثر عمقا مثل : لماذا يكسب الوطن ويشعر أفراده بالهزيمة على المستوى الشخصى ؟ وهل يمكن لمباراة فزنا بها أن تغسل هموما بعدد البشر ؟رغم استخدام السرد عبر الخطوط المتوازية التى تتجمع فى بؤرة أخيرة من خلال سيناريو مريم نعوم ، إلا أن المخرجة كاملة أبو ذكرى نجحت فى السيطرة على كل عناصر الفيلم ، وقدمت أبطاها بدرجة عالية من التعاطف ، كما أتاحت لممثليها تقديم أدوار لا تنسى .
(7) حين ميسرة "2007 "
اعتبرتُ هذا الفيلم بمثابة العودة القوية لتيار الواقعية الجديدة عندما عرض بنجاح استثنائى فى عيد الأضحى رغم أجوائه القاتمة . ما زال الفيلم من أنجح تجارب مخرجه خالد يوسف ، وكان أفضل ما فعله كاتب السيناريو ناصر عبد الرحمن أنه جعل الشخصيات خارج الزمن . السنوات لاقيمةلها ، والجيل الأحدث ينجب فى الشارع وليس فى عشة من الصفيح ثم يدافع عن نفسه فوق قطار يسير بسرعة الصاروخ . مشهد النهاية من أفضل فينالات الأفلام المصرية طوال تاريخها .
(8) الجزيرة "2007"
الميزة الأساسية فى هذا العمل الذى يستوحى أحداثا واقعية فى جمعه بين الشكل المعاصر وعناصر كلاسيكية تماما فى الدراما الإغريقية حيث يبدو الطل محكوما عليه بقدر لا فكاك منه . رغم طول الفيلم ووجود فلاشات الى الماضى ورغم التحول فى الشخصيات لم يفلت الإيقاع مرة واحدة من الحرفى البارع شريف عرفة . هناك استفادة بالتأكيد من السينما الأمريكية ولكن كل شئ مصرى تمامامع جرأة واضحة فى كشف العلاقة بين رجال الأمن والمجرمين ، ثم إن كل شخصية تعرض منطقها بدون تعاطف أو إدانة .
(9)عمارة يعقوبيان "2006 "
أفضل أفلام تعرية الفساد منذ فيلم سعيد مرزوق الأشهر المذنبون . شخصيات الفيلم تمارس لعبة الصعود الى أسفل إجتماعيا وأخلاقيا وأقتصاديا . ربما اقتضت الضرورة التجارية العناية أكثر بدورى عادل إمام ونور الشريف ، ولكن الشخصيات الأخرى لم تكن باهتة . مفاجأة الفيلم الكبرى فى أداء خالد الصاوى الذى انطلق بعد دور الصحفى الشاذ الى أدوار كبيرة ومؤثرة . المفاجأة أيضا فى مستوى مروان حامد الناضج فى تجربته الأولى كمخرج .
(10) الأبواب المغلقة "2001 "
أحد أقسى أفلام الواقعية الجديدة .عمل مؤلم يوجع القلب عن جيل مكبوت على كل المستويات ،والأخطر أن الكبت يولد مزيدا من الكبت ثم يتحول الى انفجار . سوسن بدر فى دور مؤثر وعلاقتها المعقدة بالإبن لاتخلو من التفسير النفسى . أما الدقات على الباب المغلق بعد طعن الأم فتحمل مضمونا رمزيا بأن الخطر ينبئ بكارثة . ما الذى يمكن أن يأتى بعد الطرق العنيف سوى كسر الباب نفسه ؟